فخر الدين الرازي

258

تفسير الرازي

يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ) * ( الأعراف : 87 ) أو يكون المعنى عاماً في جميع التكاليف ، أي فاصبر في كل ما حكم به ربك سواء كان ذلك تكليفاً خاصاً بك من العبادات والطاعات أو متعلقاً بالغير وهو التبليغ وأداء الرسالة ، وتحمل المشاق الناشئة من ذلك ، ثم في الآية سؤالات : السؤال الأول : قوله : * ( فاصبر لحكم ربك ) * دخل فيه أن * ( لا تطع آثماً أو كفوراً ) * فكأن ذكره بعد هذا تكريراً . الجواب : الأول أمر بالمأمورات ، والثاني نهى عن المنهيات ودلالة أحدهما على الآخر بالالتزام لا بالتصريح فيكون التصريح به مفيداً . السؤال الثاني : أنه عليه السلام ما كان يطيع أحداً منهم ، فما الفائدة في هذا النهي ؟ الجواب : المقصود بيان أن الناس محتاجون إلى مواصلة التنبيه والإرشاد ، لأجل ما تركب فيهم من الشهوات الداعية إلى الفساد ، وأن أحداً لو استغنى عن توفيق الله وإمداده وإرشاده ، لكان أحق الناس به هو الرسول المعصوم ، ومتى ظهر ذلك عرف كل مسلم ، لأنه لا بد له من الرغبة إلى الله والتضرع إليه في أن يصونه عن الشبهات والشهوات . السؤال الثالث : ما الفرق بين الآثم والكفور ؟ الجواب : الآثم هو المقدم على المعاصي أي معصية كانت ، والكفور هو الجاحد للنعمة ، فكل كفور آثم ، أما ليس كل آثم كفوراً ، وإنما قلنا : إن الآثم عام في المعاصي كلها لأنه تعالى قال : * ( ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً ) * ( النساء : 48 ) فسمى الشرك إثماً ، وقال : * ( ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) * ( البقرة : 283 ) وقال * ( وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) * ( الأنعام : 120 ) وقال : * ( يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ) * ( البقرة : 219 ) فدلت هذه الآيات على أن هذا الإثم شامل لكل المعاصي ، واعلم أن كل من عبد غير الله فقد اجتمع في حقه هذان الوصفان ، لأنه لما عبد غيره ، فقد عصاه وجحد إنعامه ، إذا عرفت هذا فنقول في الآية قولان : الأول : أن المراد شخص معين ، ثم منهم من قال : الآثم ، والكفور هو شخص واحد وهو أبو جهل ، ومنهم من قال : الآثم هو الوليد والكفور هو عتبة ، قال القفال : ويدل عليه أنه تعالى سمي الوليد أثيماً في قوله : * ( ولا تطع كل حلاف مهين ) * إلى قوله : * ( مناع للخير معتد أثيم ) * ( القلم : 10 ، 12 ) وروى صاحب الكشاف أن الآثم هو عتبة . والكفور هو الوليد لأن عتبة كان ركاباً للمآثم متعاطياً لأنواع الفسوق والوليد كان غالياً في الكفر ، والقول الأول أولى لأنه متأيد بالقرآن ، يروى أن عتبة بن ربيعة قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ارجع عن هذا الأمر حتى أزوجك ولدي فإني من أجمل قريش ولداً وقال الوليد : أنا أعطيك من المال حتى ترضى ، فإني من أكثرهم مالاً ، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات من أول حم السجدة إلى قوله * ( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ) * ( فصلت : 1 ، 13 ) فانصرفا عنه وقال أحدهما ظننت أن الكعبة ستقع علي . القول الثاني : أن الآثم والكفور مطلقان غير مختصين بشخص معين ، وهذا هو الأقرب إلى الظاهر ، ثم قال الحسن الآثم هو المنافق والكفور مشركوا العرب ، وهذا ضعيف بل الحق ما ذكرناه من أن الآثم عام والكفور خاص .